استشارات قانونية

فسخ عقد الزواج دراسة قانونية

Advertisements

هناك اختلاف في القانون بشأن اصطلاح فسخ عقد الزواج ،. فهناك قوانين تسمى ذلك تطليقاً كالقانون المصري. والمقصود بالتطليق في هذه القوانين هو التفريق في الزوجين بنظر القاضي. لآن التطليق الذي يوقعه القاضي إنما يوقعه نيابة عن الزواج الذي يمسك زوجته بغير معروف،. ولذلك يقال (طلق عنه القاضي).
في حين تستعمل بعض القوانين اصطلاح التفريق مع اصطلاح الفسخ كالقانون السوري والقانون الأردني،. في حين تستعمل بعض القوانين اصطلاح الفسخ مع اصطلاح التطليق كالقانون اليمني،. وتستعمل بعض القوانين الاصطلاحات الثلاثة (الفسخ ألتطليق التفريق ) عند تناولها لأسباب فسخ عقد الزواج كالقانونين الكويتي والقطري.


لم يتعرض القانون اليمني لتعريف فسخ الزواج في حين قام بتعريف الطلاق في المادة 58. واكتفي بالنص في المادة 43 من قانون الأحوال الشخصية. على أن (ينتهي الزواج بالفسخ أو بالطلاق أو الموت). ولعل تقديم الفسخ في النص لأهمية هذا الموضوع في الحياة الاجتماعية السائدة في اليمن. لاسيما بعد أن تخلخلت العلاقات الاجتماعية نتيجة عوامل كثيرة. لا داعي لذكرها هنا، كما أن القانون لم ينص على شروط الفسخ. واكتفي في المادة 44 أحوال شخصية على النص بأنة (يشترط في الفسخ لفظه أو ما يدل عليه).


وقد سلكت مسلك القانون اليمني قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية باستثناء القانون الكويتي. حيث أحجمت هذه القوانين عن تعريف فسخ الزواج،. وهذا ليس عيباً أو مأخذاً لأن التعريف ليس من وظائف القانون وإنما من وظائف شراح القانون،. ولعل قوانين الأحوال الشخصية أحجمت عن تعريف الفسخ لكثرة وتنوع أسباب فسخ عقد الزواج. فمن المتعذر ضبطها جميعاً في تعريف جامع مانع،. أما قانون الأحوال الشخصية الكويتي فقد عرّف فسخ الزواج في المادة 99. التي نصت على أن (فسخ الزواج هو نقض عقده عند عدم لزومه. أو حيث يمتنع بقاؤه شرعاً وهو لا ينقص عدد الطلقات). وهذا التعريف جامع إلى حد ما حيث يتناول أسباب الفسخ السابقة والمصاحبة للعقد والطارئة عليه.

أحكام فسخ عقد الزواج في القانون اليمني

عنى القانون اليمني عناية بالغة بأحكام فسخ عقد الزواج،. إذ تناول قانون الأحوال الشخصية رقم (20) لسنة 1992م أحكام الفسخ في المواد. (16، 22، 30، 31، 45، 46، 47، 48، 49، 50، 51، 52، 53، 54، 55، 57، 134). وقد كانت أحكام الفسخ محلاً للتعديل في كل مرة كان يتم فيها تعديل القانون ،. حيث تم تعديل المواد (45، 46، 49، 51، 52، 53) بموجب القرار الجمهوري بالقانون رقم (27) لسنة 1998م،. وبموجب هذا القرار أيضاً تم إلغاء المادة (56). التي كانت تنص على أن .(الفسخ للأسباب المتقدمة والمبينة في هذا الباب يعتبر بائناً بينونة صغرى ولا يهدم عدد الطلقات ولا يعد طلقة)،. في حين تم تعديل المادة (47) بموجب القانون رقم (34) لسنة 2003م.

وتناول القانون اليمني لأحكام فسخ عقد الزواج على هذا النحو،. وكذا التعديلات التي جرت على أحكام الفسخ في قانون الأحوال الشخصية دليل على اهتمامه بموضوع الفسخ،. ومبادرة المقنن لتعديل القانون لمعالجة أوجه القصور في النصوص القانونية. التي تناولت أحكام الفسخ في ضوء النتائج التي أسفر عنها تطبيق هذه النصوص. خلال الفترة ما بين 1992م وحتى 2003م،. وعلى التفصيل الذي سوف نبينه في موضعه.

أما في هذه العجالة فسوف نكتفي بذكر الملاحظات العامة على أحكام فسخ عقد الزواج في القانون اليمني. كي يكون الدارس على بينة من الأمر بداية،. وحتى يكون ذلك منطلقاً لدراسة موضوع فسخ الزواج في القانون اليمني، وخلاصة هذه الملاحظات العامة على النحو الآتي:

المصطلحات المعتمدة

(1) استعمل القانون اليمني بصفة عامة اصطلاح (الفسخ) ولم يستعمل اصطلاح (الانفساخ) إلا عند الفسخ للردة أو الامتناع عن الإسلام أو عندما يوجد بين الزوجين سبب من أسباب التحريم كالمصاهرة أو الرضاع، واستعمال لاصطلاح (الانفساخ) في تلك المواضع مناسب كما سنرى تفصيلاً في تلك المواضع، كذلك لم يستعمل اصطلاح (التفريق) إلا في اللعان والخلع وهذا الاستعمال مناسب أيضاً في ذلك الموضع كما سنرى تفصيلاً، كما أن القانون استعمل اصطلاح (التطليق) في الإيلاء والظهار وهذا الاستعمال مناسب كما سنرى تفصيلاً في موضعه.

(2) أحكام الفسخ ليست منتظمة في باب واحد كما أراد القانون اليمني،. حيث خصص قانون الأحوال الشخصية الباب الأول من الكتاب الثاني لبيان أحكام فسخ الزواج. وبالفعل تم استعراض الغالبية العظمى من أحكام الفسخ في ذلك الباب،. إلا أن بعض أحكام الفسخ قد وردت خارج نطاق ذلك الباب،. ومن هذه الأحكام الفسخ لبطلان العقد والفسخ لخياري البلوغ والإفاقة التي وردت في الباب الثالث في الكتاب الأول،

هذا علماً بأن قانون الأسرة القديم كان ينص على الفسخ لخيار البلوغ. ضمن الباب المخصص لأسباب الفسخ وذلك في المادة (54) التي كانت تنص على أنه. (إذا طلبت المرأة الحكم بالفسخ عند البلوغ حكم لها ووجب عليها رد المهر ما لم يكن قد دخل بها)،. وكذا تعريف الغائب الذي ورد في (113). في الفصل الرابع من الباب الرابع في حين تناول القانون الفسخ لغياب الزوج في المادة (52). من الباب الأول من الكتاب الثاني،. كما أن الفسخ لفقدان الزوج قد ورد في الفصل الرابع من الباب الرابع من القانون.

حالات فسخ عقد الزواج

(3) أحكام فسخ الزواج في القانون اليمني وردت في نصوص مجملة خالية من التفصيلات، والعمومية والتجريد وإن كانا من سمات القاعدة القانونية وخصائصها إلا أن الإغراق في العمومية والتجريد يجعل القاضي والباحث والمتابع في حيرة من أمره عند تطبيق هذه النصوص المجملة، كما أن ذلك يؤدي إلى تفاوت واختلاف أحكام القضاء في المسألة الواحدة، فضلاً عن أن ذلك يفضي إلى عدم استقرار القواعد القضائية، والمقارنة بين نصوص ونظيراتها في القوانين الأخرى تغني عن الإسهاب في هذا الموضوع.

ولا سبيل أمام القاضي إزاء هذا الإجمال إلا معرفة المصدر الفقهي الذي استفاد القانون منه النص المجمل والرجوع إلى كتب الفقه عملاً بالمادة (18) من القانون المدني التي نصت على أن (المرجع في تفسير نصوص القوانين وتطبيقها هو الفقه الإسلامي والمذكرات الإيضاحية والكتب الشارحة الصادرة من الهيئة التشريعية المختصة) ومعلوم أن المذكرات الإيضاحية والكتب الشارحة لقانون الأحوال الشخصية الصادرة عن البرلمان لا وجود لها بخلاف قانون الأسرة الصادر عام 76م

Advertisements

فقد صدرت مذكرة إيضاحية له وإن كانت عبارة عن تكرار لصياغة نصوص القانون ذاتها،. ولذلك لم يبق من سبيل أمام القاضي أو المشتغل بهذا القانون إلا الرجوع إلى كتب الفقه التي استفاد منها القانون اليمني النص وكذا الرجوع إلى نصوص القوانين الأخرى التي توافق المشرع اليمني لمعرفة بعض هذه التفصيلات كما هو الحال بالنسبة إلى طريقة وإجراأت عمل المحكمين في الفسخ للضرر كما سنرى، أما في حالة عدم النص في المشرع على مسألة من المسائل فسنبين الحكم في ذلك في الفقرة ما بعد التالية.

أسباب فسخ

(4) أسباب فسخ الزواج في قانون اليمن محصورة في الفسخ لخياري البلوغ والإفاقة والفسخ لبطلان العقد والفسخ للعيب. والفسخ لانعدام الكفاءة والفسخ للامتناع عن الإسلام أو الردة والفسخ لعدم الإنفاق والفسخ لغيبة الزوج. أو فقدانه أو حبسه والفسخ للكراهية والفسخ لإدمان الخمر أو المخدرات، ويلحق بالفسخ التطليق للإيلاء والظهار والفرقة باللعان، ويلاحظ على أسباب الفسخ. المنصوص عليها في التشريع اليمني أنها لم تتناول الفسخ للتدليس .وكذا الفسخ للزنا أو للإعسار في المهر أو لنقصان المهر أو للتزوج بأخرى وليس هذا عيباً في التشريع اليمني،. أما الفسخ للضرر فهناك خلاف على أشده فيما يتعلق بمدى. الأخذ بهذا السبب من أسباب الفسخ وسوف نبين ذلك تفصيلاً في موضعه بإذن الله تعالى.

أما بالنسبة للفسخ لتخلف الشرط أو الوصف فلم ينص عليه ضمن أسباب الفسخ وإن كان هذا القانون قد أجاز للمرأة الاشتراط حين العقد البقاء في دارها أو أن يكون لها مسكناً مستقلاً يجمعها مع زوجها فقط حسبما ورد في المادتين (40، 42).

وقد انفرد المشرع اليمني بالنص على فسخ الزواج بسبب إدمان الزوج للخمر والمخدرات، في حين لم تنص قوانين الدول العربية على مثل هذا السبب كما سنرى.

فسخ عقد الزواج دراسة قانونية على ضوء القانون اليمني والتشريعات العربية الاخرى والشريعة الاسلامية
فسخ عقد الزواج دراسة قانونية

(5) نصت المادة (349) من قانون الأحوال الشخصية اليمني على أن (كل ما لم يرد به نص في هذا القانون يعمل فيه بأقوى الأدلة في الشريعة الإسلامية) وإعمال أقوى الأدلة على النحو الذي ورد في هذا النص ليس يسيراً فضلاً عن أن صياغة هذا النص معيبة وتحديداً عندما ذكر بأنه يعمل بأقوى الأدلة فالعمل يتم بالقول الفقهي الذي يستند إلى أقوى الأدلة، إذا كان مراد القانون اليمني ذلك،

كما أن الرجوع إلى أقوى الأدلة أو أقوى المذاهب أو أرجحها مهمة يعجز عنها كبار الفقهاء والقضاة في العصر الراهن، وقد ذكر ذلك فضيلة الأستاذ الدكتور/ محمد سليم العواء أمين عام رابطة علماء العالم الإسلامي حينما عرض عليه مشروع تعديل المادة الثالثة من القانون المصري بحيث تنص على أن (يعمل فيما لم يرد بشأنه نص في القانون إلى أرجح الأقوال في المذاهب الأربعة) بدلاً من النص الحالي الذي يقضي بأن (يعمل فيما لم يرد بشأنه نص في القانون بالقول الراجح في مذهب الإمام أبي حنيفة)، فقد قال الأستاذ الدكتور/ العواما نصه (تنص المادة الثالثة من مواد إصدار مشروع القانون على أن يعمل فيما لم يرد بشأنه نص في تلك القوانين “قوانين الأحوال الشخصية والوقف” بأرجح الأقوال في مذهب الإمام أبي حنيفة، وذلك عدا قواعد الإثبات فيعمل في شأنها بأرجح الأقوال في المذاهب الفقهية الأربعة.

والإحالة إلى أرجح الأقوال في مذهب الإمام أبي حنيفة إحالة إلى قول معروف محدّد في المذهب، يعرفه قضاة الأحوال الشخصية في مصر ويعرفون مصادره وموارده، ويتعاملون معه مائة سنة (لائحة القضاء الشرعي سنة 1897)، ويعرفه طلاب العلم الشرعي والقانوني فيما يدرسونه من مادتي تاريخ الفقه وتاريخ المذاهب في كليات الشريعة والقانون وفيما يتداولونه من مؤلفات أعلام العلماء الذين كتبوا في مادة (المدخل لدراسة الفقه الإسلامي) منذ أنشئت مدرسة الحقوق الخديوية في هذا القرن حتى اليوم. أما الإحالة إلى أرجح الأقوال في المذاهب الأربعة الفقهية فهو تكليف بما يشبه المستحيل، لأن لكل مذهب أصوله وقواعده التي يتم في ضوئها اختيار أرجح الأقوال فيه.

والمقرر شرعاً وفقهاً أنه لا يحكم بمذهب على مذهب، أي أنه لا يجوز أن يقال: إن هذا أحق من ذلك، لأن مذهباً أخذ بالأول ومذهباً آخر أخذ بالثاني. بل يكون الترجيح بالدليل وقوته وسلامة وضعه في موضع الاستدلال (ما يسميه الفقهاء مأخذ الدليل).

ولذلك لا يرجح حتى بالكثرة، كأن نقول: إن ثلاثة مذاهب إذا اتفقت على قول فهو أرجح من القول الذي أخذ به مذهب واحد، وتكليف القاضي بأن يختار أرجح المذاهب الأربعة، بل أرجح الأقوال فيها معناه تكليفه ببحث كتب هذه المذاهب كافة.. وهي آلاف الكتب المطبوعة سوى المخطوطات التي لا يعلم عددها إلا الله، ثم دراسة أدلة الأقوال في كل مذهب، علماً بأن في بعض المذاهب عشرة أقوال في المسألة الواحدة، واختيار أرجح الأقوال ليقضي به. ولا يختلف اثنان عالمان بالفقه على أن هذه المهمة في حكم المستحيل.

ولو بقي هذا النص على حاله فسيفتح أبواباً لا تنتهي للطعن في الأحكام المبنية عليه، كما أنه ستتضارب أحكام القضاء تضارباً يهدر الثقة بها، وذلك يقتضي بأن تسد ألذرائع إليهما، ويحال بين التشريع وبين أن يوقع القضاء فيهما أو في أيهما. ولذلك أرى أن الاقتصار على الإحالة في المسائل التي ليس فيها نص في القوانين إلى أرجح الأقوال في مذهب الإمام أبي حنيفة يحقق استقرار أحكام القضاء واتساقها ويحقق استقرار التشريع ذاته بعد أن ألف الناس جميعاً تطبيق هذا المذهب لأكثر من قرن من الزمان في محاكم الأحوال الشخصية في مصر. وقد أخذ بهذا التوجه مجلس الشورى عند مناقشته لمشروع القانون، وحري بمجلس الشعب أن يذهب المذهب ذاته. وأضاف مجلس الشورى الإحالة إلى الإثبات الذي أغفل المشروع ذكره، وهي إضافة صحيحة جيدة).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى